فصل: تفسير الآيات (61- 64):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المشهور بـ «تفسير البيضاوي»



.تفسير الآية رقم (60):

{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60)}
{الحق مِن رَّبّكَ} خبر محذوف أي هو الحق، وقيل: {الحق} مبتدأ و{مِن رَبّكَ} خبره أي الحق المذكور من الله تعالى. {فَلاَ تَكُنْ مّن الممترين} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على طريقة التهييج لزيادة الثبات أو لكل سامع.

.تفسير الآيات (61- 64):

{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)}
{فَمَنْ حَاجَّكَ} من النصاري. {فِيهِ} في عيسى. {مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم} أي من البينات الموجبة للعلم. {فَقُلْ تَعَالَوْاْ} هلموا بالرأي والعزم. {نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ} أي يدع كل منا ومنكم نفسه وأعزة أهله وألصقهم بقلبه إلى المباهلة ويحمل عليها، وإنما قدمهم على الأنفس لأن الرجل يخاطر بنفسه لهم ويحارب دونهم. {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} أي نتباهل بأن نلعن الكاذب منا. والبهلة بالضم والفتح اللعنة وأصله الترك من قولهم بهلت الناقة إذا تركتها بلا صرار. {فَنَجْعَل لَّعْنَتُ الله عَلَى الكاذبين} عطف فيه بيان روي أنهم لما دعوا إلى المباهلة قالوا حتى ننظر فلما تخالوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم ما ترى فقال: والله لقد عرفتم نبوته، ولقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم والله ما باهل قوم نبياً إلا هلكوا، فإن أبيتم إلا إلف دينكم فوادعوا الرجل وانصرفوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي رضي الله عنه خلفها وهو يقول: «إذا أنا دعوت فأمنوا، فقال أسقفهم يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله فلا تباهلوا فتهلكوا، فأذعنوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلوا له الجزية ألفي حلة حمراء وثلاثين درعاً من حديد، فقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده لو تباهلوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر» وهو دليل على نبوته وفضل من أتى بهم من أهل بيته.
{إِنَّ هَذَا} أي ما قص من نبأ عيسى ومريم. {لَهُوَ القصص الحق} بجملتها خبر إن، أو هو فصل يفيد أن ما ذكره في شأن عيسى ومريم حق دون ما ذكروه، وما بعده خبر واللام دخلت فيه لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ {وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله} صرح فيه ب {مِنْ} المزيدة للاستغراق تأكيداً للرد على النصارى في تثليثهم {وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز الحكيم} لا أحد سواه يساويه في القدرة التامة والحكمة البالغة ليشاركه في الألوهية.
{فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ الله عَلِيمٌ بالمفسدين} وعيد لهم ووضع المظهر موضع المضمر ليدل على أن التولي عن الحجج والإِعراض عن التوحيد، إفساد للدين والاعتقاد المؤدي إلى فساد النفس بل وإلى فساد العالم.
{قُلْ ياأهل الكتاب} يعم أهل الكتابين. وقيل يريد به وفد نجران، أو يهود المدينة. {تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} لا يختلف فيها الرسل والكتب ويفسرها ما بعدها. {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله} أن نوحده بالعبادة ونخلص فيها.
{وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} ولا نجعل غيره شريكاً له في استحقاق العبادة ولا نراه أهلاً لأن يعبد. {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ الله} ولا نقول عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل لأن كلا منهم بعضنا بشر مثلنا روي أنه لما نزلت {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله} قال عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله قال: «أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم قال نعم قال: هو ذاك» {فَإِن تَوَلَّوْاْ} عن التوحيد. {فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} أي لزمتكم الحجة فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم، أو اعترفوا بأنكم كافرون بما نطقت به الكتب وتطابقت عليه الرسل.
تنبيه: أنظر إلى ما راعى في هذه القصة من المبالغة في الإِرشاد وحسن التدرج في الحجاج بين: أولاً، أحوال عيسى عليه الصلاة والسلام وما تعاور عليه من الأطوار المنافية للألوهية، ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيح شبهتهم، فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإِعجاز، ثم لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد عاد عليهم بالإِرشاد وسلك طريقاً أسهل، وألزم بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى والإِنجيل وسائر الأنبياء والكتب، ثم لما لم يجد ذلك أيضاً عليهم وعلم أن الآيات والنذر لا تغني عنهم أعرض عن ذلك وقال: {فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}.

.تفسير الآيات (65- 70):

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70)}
{ياأهل الكتاب لِمَ تُحَاجُّونَ في إبراهيم وَمَا أُنزِلَتِ التوراة والإنجيل إِلاَّ مِن بَعْدِهِ} تنازعت اليهود والنصارى في إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وزعم كل فريق أنه منهم وترافعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. والمعنى أن اليهودية والنصرانية حدثتا بنزول التوراة والإِنجيل على موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وكان إبراهيم قبل موسى بألف سنة وعيسى بألفين فكيف يكون عليهما. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} فتدعون المحال.
{هَا أَنتُمْ هؤلاء حاججتم فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} ها حرف تنبيه نبهوا بها على حالهم التي غفلوا عنها، وأنتم مبتدأ و{هَؤُلاء} خبره و{حاججتم} جملة أخرى مبينة للأولى. أي أنتم هؤلاء الحمقى وبيان حماقتكم أنكم جادلتم فيما لكم به علم مما وجدتموه في التوراة والإِنجيل عناداً، أو تدعون وروده فيه فلم تجادلون فيما لا علم لكم به ولا ذكر له في كتابكم من دين إبراهيم. وقيل: {هَؤُلاء} بمعنى الذين و{حاججتم} صلته. وقيل ها أنتم أصله أأنتم على الاستفهام للتعجب من حماقتهم فقلبت الهمزة هاء. وقرأ نافع وأبو عمرو {هَا أَنتُمْ} حيث وقع بالمد من غير همز، وورش أقل مداً، وقنبل بالهمز من غير ألف بعد الهاء والباقون بالمد والهمز، والبزي بقصر المد على أصله. {والله يَعْلَمُ} ما حاججتم فيه. {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} وأنتم جاهلون به.
{مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا} تصريح بمقتضى ما قرره من البرهان. {وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا} مائلاً عن العقائد الزائغة. {مُسْلِمًا} منقاداً لله وليس المراد أنه كان على ملة الإِسلام وإلا لاشترك الإِلزام. {وَمَا كَانَ مِنَ المشركين} تعريض بأنهم مشركون لإِشراكهم به عزيراً والمسيح ورد لادعاء المشركين أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام.
{إِنَّ أَوْلَى الناس بإبراهيم} إن أخصهم به وأقربهم منه. من الولي وهو القرب. {لَلَّذِينَ اتبعوه} من أمته. {وهذا النبى والذين ءامَنُواْ} لموافقتهم له في أكثر ما شرع لهم على الأصالة. وقرئ والنبي بالنصب عطفاً على الهاء في اتبعوه، وبالجر عطفاً على إبراهيم. {والله وَلِىُّ المؤمنين} ينصرهم ويجازيهم الحسنى لإِيمانهم.
{وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} نزلت في اليهود لما دعوا حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهودية و{لَوْ} بمعنى أن. {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} وما يتخطاهم الإِضلال ولا يعود وباله إلا عليهم إذ يضاعف به عذابهم، أو ما يضلون إلا أمثالهم. {وَمَا يَشْعُرُونَ} وزره واختصاص ضرره بهم.
{يَشْعُرُونَ يأَهْلَ الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بأيات الله} بما نطقت به التوراة والإنجيل ودلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} أنها آيات الله أو بالقرآن وأنتم تشهدون نعته في الكتابين أو تعلمون بالمعجزات أنه حق.

.تفسير الآيات (71- 80):

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)}
{ياأهل الكتاب لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل} بالتحريف وإبراز الباطل في صورته، أو بالتقصير في التمييز بينهما. وقرئ تلبسون بالتشديد وتلبسون بفتح الباء أي تلبسون الحق مع الباطل كقوله عليه السلام: «كلابس ثوبي زور» {وَتَكْتُمُونَ الحق} نبوة محمد عليه السلام ونعته. {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} عالمين بما تكتمونه.
{وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب ءامِنُواْ بالذي أُنزِلَ عَلَى الذين ءامَنُواْ وَجْهَ النهار} أي أظهروا الإِيمان بالقرآن أول النهار. {واكفروا ءاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} واكفروا به آخره لعلهم يشكون في دينهم ظناً بأنكم رجعتم لخلل ظهر لكم، والمراد بالطائفة كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف قالا لأصحابهما لما حولت القبلة: آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم وصلوا إلى الصخرة آخره لعلهم يقولون هم أعلم منا وقد رجعوا فيرجعون. وقيل اثنا عشر من أحبار خيبر تقاولوا بأن يدخلوا في الإِسلام أول النهار ويقولوا آخره نظرنا في كتابنا وشاورنا علماءنا فلم نجد محمداً عليه الصلاة والسلام بالنعت الذي ورد في التوراة لعل أصحابه يشكون فيه.
{وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} ولا تقروا عن تصديق قلب إلا لأهل دينكم، أو لا تظهروا إيمانكم وجه النهار لمن كان على دينكم فإن رجوعهم أرجي وأهم. {قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله} هو يهدي من يشاء إلى الإِيمان ويثبته عليه. {أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} متعلق بمحذوف أي دَبَّرْتُمْ ذلك وقلتم لأن يؤتى أحد، المعنى أن الحسد حملكم على ذلك أو بلا تؤمنوا أي ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأشياعكم، ولا تفشوه إلى المسلمين لئلا يزيد ثباتهم ولا إلى المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام وقوله: {قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله} اعتراض يدل على أن كيدهم لا يجدي بطائل، أو خبر إن على أن هدى الله بدل من الهدى. وقراءة ابن كثير {أَن يؤتى} على الاستفهام للتقريع، تؤيد الوجه الأول أي إلا أن يؤتى أحد دبرتم. وقرئ: {إِن} على أنها نافية فيكون من كلام الطائفة أي ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وقولوا لهم ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ} عطف على {أَن يؤتى} على الوجهين الأولين وعلى الثالث معناه: حتى يحاجوكم عند ربكم فيدحضوا حجتكم عند ربكم، والواو ضمير أحد لأنه في معنى الجمع إذ المراد به غير أتباعهم. {قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء والله واسع عَلِيمٌ}.
{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء والله ذُو الفضل العظيم} رد وإبطال لما زعموه بالحجة الواضحة.
{وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ} كعبد الله بن سلام استودعه قرشي ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأداه إليه {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} كفنحاص بن عازوراء استودعه قرشي آخر ديناراً فجحده.
وقيل المأمونون على الكثير النصارى إذ الغالب فيهم الأمانة، والخائنون في القليل اليهود إذ الغالب عليهم الخيانة. وقرأ حمزة وأبو بكر وأبو عمرو {يُؤَدّهِ إِلَيْكَ} و{لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} بإسكان الهاء وقالون باختلاس كسرة الهاء وكذا روي عن حفص والباقون بإشباع الكسرة. {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} إلا مدة دوامك قائماً على رأسه مبالغاً في مطالبته بالتقاضي والترافع وإقامة البينة. {ذلك} إشارة إلى ترك الأداء المدلول عليه بقوله: {لاَّ يُؤَدِّهِ}. {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ} بسبب قولهم. {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ} أي ليس علينا في شأن من ليسوا من أهل الكتاب ولم يكونوا على ديننا عتاب وذم. {وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب} بادعائهم ذلك {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم كاذبون، وذلك لأنهم استحلوا ظلم من خالفهم وقالوا: لم يجعل لهم في التوراة حرمة. وقيل عامل اليهود رجالاً من قريش فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا سقط حقكم حيث تركتم دينكم وزعموا أنه كذلك في كتابهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند نزولها: «كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر». {بلى} إثبات لما نفوه أي بلى عليهم فيهم سبيل. {مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ واتقى فَإِنَّ الله يُحِبُّ المتقين} استئناف مقرر للجملة التي سدت {بلى} مسدها، والضمير المجرور لمن أو لله وعموم المتقين ناب عن الراجع من الجزاء إلى {مِنْ}، وأشعر بأن التقوى ملاك الأمر وهو يعم الوفاء وغيره من أداء الواجبات والاجتناب عن المناهي.
{إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ} يستبدلون. {بِعَهْدِ الله} بما عاهدوا الله عليه من الإِيمان بالرسول والوفاء بالأمانات. {وأيمانهم} وبما حلفوا به من قولهم والله لنؤمنن به ولننصرنه، {ثَمَناً قَلِيلاً} متاع الدنيا. {أُوْلَئِكَ لاَ خلاق لَهُمْ في الاخرة وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله} بما يسرهم أو بشيء أصلاً، وأن الملائكة يسألونهم يوم القيامة، أو لا ينتفعون بكلمات الله وآياته، والظاهر أنه كناية عن غضبه عليهم لقوله: {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة} فإن من سخط على غيره واستهان به أعرض عنه وعن التكلم معه والالتفات نحوه، كما أن من اعتد بغيره يقاوله ويكثر النظر إليه. {وَلاَ يُزَكّيهِمْ} ولا يثني عليهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} على ما فعلوه. قيل: إنها نزلت في أحبار حرفوا التوراة وبدلوا نعت محمد صلى الله عليه وسلم وحكم الأمانات وغيرهما وأخذوا على ذلك رشوة. وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد اشتراها بما لم يشترها به. وقيل: نزلت في ترافع كان بين الأشعث بن قيس ويهودي في بئر أو أرض وتوجهه الحلف على اليهودي.
{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا} يعني المحرفين ككعب ومالك وحيي بن أخطب. {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب} يفتلونها بقراءته فيميلونها عن المنزل إلى المحرف، أو يعطفونها بشبه الكتاب. وقرئ: {يلون} على قلب الواو المضمومة همزة ثم تخفيفها بحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها. {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب} الضمير للمحرف المدلول عليه بقوله: {يَلْوُونَ}. وقرئ: {ليحسبوه} بالياء والضمير أيضاً للمسلمين. {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله} تأكيد لقوله: {وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب} وتشنيع عليهم وبيان لأنهم يزعمون ذلك تصريحاً لا تعريضاً، أي ليس هو نازلاً من عنده. وهذا لا يقتضي أن لا يكون فعل العبد فعل الله تعالى. {وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ} تأكيد وتسجيل عليهم بالكذب على الله والتعمد فيه.
{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ الله الكتاب والحكم والنبوة ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّي مِن دُونِ الله} تكذيب ورد على عبده عيسى عليه السلام. وقيل: أن أبا رافع القرظي والسيد النجراني قالا: يا محمد أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً، فقال: «معاذ الله أن نعبد غير الله وأن نأمر بعبادة غير الله، فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني» فنزلت. وقيل قال رجل يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك. قال: «لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله» {ولكن كُونُواْ ربانيين} ولكن يقول كونوا ربانيين، والرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون كاللحياني والرقباني وهو الكامل في العلم والعمل. {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكتاب وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} بسبب كونكم معلمين الكتاب وبسبب كونكم دارسين له، فإن فائدة التعليم والتعلم معرفة الحق والخير للاعتقاد والعمل، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب تعلمون بمعنى عالمين. وقرئ: {تَدْرُسُونَ} من التدريس وتدرسون من أدرس بمعنى درس كأكرم وكرم، ويجوز أن تكون القراءة المشهورة أيضاً بهذا المعنى على تقدير وبما كنتم تدرسونه على الناس.
{وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا} نصبه ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب عطفاً على ثم يقول، وتكون لا مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله: {مَا كَانَ}، أي ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمر باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً، أو غير مزيدة على معنى أنه ليس له أن يأمر بعبادته ولا يأمر باتخاذ أكفائه أرباباً، بل ينهى عنه وهو أدنى من العبادة. ورفعه الباقون على الاستئناف، ويحتمل الحال وقرأ أبو عمرو على أصله برواية الدوري باختلاس الضم. {أَيَأْمُرُكُم بالكفر} إنكار، والضمير فيه للبشر وقيل لله. {بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} دليل على أن الخطاب للمسلمين وهم المستأذنون لأن يسجدوا له.